أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

223

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

كلّها تميّز بواحد منصوب . وموسى اسم أعجمي غير منصرف ، وهو في الأصل على ما يقال مركب ، والأصل : موشى - بالشين - لأنّ « ماء » بلغتهم يقال له : « مو » والشجر يقال له « شاء » فعرّبته العرب فقالوا موسى ، قالوا : وقد لقيه آل فرعون عند ماء وشجر . واختلافهم في موسى : هل هو مفعل مشتقّ من أوسيت رأسه إذا حلقته فهو موسى ، كأعطيته فهو معطى ، أو هو فعلى مشتقّ من ماس يميس أي : يتبختر في مشيته ويتحرّك ، فقلبت الياء واوا لانضمام ما قبلها كموقن من اليقين ، وهذا إنما هو في موسى الحديد التي هي آلة الحلق ، لأنها تتحرّك وتضطرب عند الحلق بها ، وليس لموسى اسم النبي عليه السّلام اشتقاق لأنه أعجميّ . قوله : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ اتّخذ يتعدّى لاثنين ، والمفعول الثاني محذوف أي : ثم اتخذتم العجل إلها . وقد يتعدّى لمفعول واحد إذا كان معناه عمل وجعل نحو : « وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً » « 1 » ، وقال بعضهم : تخذ واتّخذ يتعدّيان لاثنين ما لم يفهما كسبا ، فيتعدّيان لواحد . واختلف في اتّخذ فقيل : هو افتعل من الأخذ والأصل : اأتخذ الأولى همزة وصل والثانية فاء الكلمة فاجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة بعد أخرى ، فوجب قلبها ياء كإيمان ، فوقعت الياء فاء قبل تاء الافتعال فأبدلت تاء وأدغمت في تاء الافتعال كاتّسر من اليسر ، إلّا أنّ هذا قليل في باب الهمز نحو : اتّكل من الأكل واتّزر من الإزار . وقال أبو علي : هو افتعل من تخذ يتخذ ، وأنشد : 464 - وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها * نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق « 2 » وقال تعالى : « لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً » « 3 » وهذا أسهل القولين . والقرّاء على إدغام الذال في التاء لقرب مخرجهما ، وابن كثير وعاصم « 4 » في رواية حفص بالإظهار ، وهذا الخلاف جار في المفرد نحو : اتّخذت ، والجمع نحو : اتّخذتم ، وأتى في هذه الجملة ب « ثمّ » دلالة على أنّ الاتخاذ كان بعد المواعدة بمهلة . قوله : مِنْ بَعْدِهِ متعلّق باتّخذتم ، و « من » لابتداء الغاية ، والضمير يعود على موسى ، ولا بدّ من حذف مضاف ، أي : من بعد انطلاقه أو مضيّه ، وقال ابن عطية : « يعود على موسى وقيل : على انطلاقه للتكليم ، وقيل : على الوعد ، وفي كلامه بعض مناقشة ، فإنّ قوله : « وقيل يعود على انطلاقه » يقتضي عوده على موسى من غير تقدير مضاف وذلك غير متصوّر . قوله : « وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ » جملة حالية من فاعل « اتَّخَذْتُمُ » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 52 إلى 54 ] ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 )

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 116 ) . ( 2 ) البيت للممزق العبدي انظر مجالس العلماء ( 333 ) ، الخصائص ( 2 / 287 ) ، العيني ( 4 / 590 ) ، اللسان « مخص » . ( 3 ) سورة الكهف ، آية ( 77 ) . ( 4 ) عاصم بن أبي النجود بهدلة الكوفي الأسدي بالولاء أبو بكر : أحد القراء السبعة تابعي من أهل الكوفة توفي سنة 127 ه ، تهذيب التهذيب ( 5 / 38 ) ، غاية النهاية ( 1 / 346 ) .